الفيض الكاشاني

306

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

يوم القيامة وأنا أحوج ما أكون إلى العفو ، وقد قال اللَّه تعالى في بعض الكتب : يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق ، وبعث رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وصيفا له إلى حاجة فأبطأ عليه فلمّا جاء قال : « لولا القصاص لأوجعتك ضربا » ( 1 ) أي القصاص في القيامة . وقيل : ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة وفيها : ارحم المساكين واخش الموت واذكر الآخرة فكان يقرأها حتّى يسكن غضبه . الثالث أن يحدث نفسه عاقبة العداوة والانتقام وتشمّر العدوّ لمقابلته والسعي في هدم أغراضه والشماتة بمصائبه وهو لا يخلو عن المصائب فيخوّف نفسه بعواقب الغضب في الدّنيا إن كان لا يخاف من الآخرة ، وهذا يرجع إلى تسليط شهوة على غضب وليس هذا من أعمال الآخرة ولا ثواب عليه لأنّه متردّد على حظوظه العاجلة يقدّم بعضها على بعض إلا أن يكون محذوره أن يتشوّش عليه في الدّنيا فراغه للعلم والعمل وما يعينه على الآخرة فيكون حينئذ مثابا عليه . الرابع أن يتفكَّر في قبح صورته عند غضبه بأن يتذكَّر صورة غيره في حالة الغضب ويتفكَّر في قبح الغضب في نفسه ومشابهة صاحبه بالكلب الضارّي والسبع العادي ، ومشابهة الحليم الهادي التارك للغضب بالأنبياء والعلماء والحكماء ويخير نفسه بين أن يشبه بالكلاب والسّباع وأراذل النّاس وبين أن يشبه بالأنبياء والعلماء في عادتهم لتميل نفسه إلى حبّ الاقتداء بهؤلاء إن كان قد بقي معه مسكة من عقل . الخامس أن يتفكَّر في السببّ الَّذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ ، ولابدّ أن يكون سبب له مثل قول الشيطان له : إنّ هذا يحمل منك على العجز وصغر النّفس والذّلَّة والمهانة وتصير حقيرا في أعين الناس فليقل لنفسه : ما أعجبك يا نفس تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك وتحذرين من أن تصغري في أعين النّاس ولا تحذرين من أن تصغري عند اللَّه وعند الملائكة والنبيّين بانتقامك من هذا ، فمهما كظم الغيظ

--> ( 1 ) أخرجه أبو يعلى من حديث أم سلمة بسند ضعيف كما في المغني .